باكستان تطلق سراح 100 أفغاني

باكستان تطلق سراح 100 أفغاني

أعلنت سفارة إمارة أفغانستان أنه تم إطلاق سراح أكثر من 120 مواطناً أفغانياً، من السجون بإقليم السند الباكستاني.

باكستان: سناريوهات إلغاء "تحريك طالبان" للهدنة

باكستان: سناريوهات إلغاء

في مؤشر إلى تفاقم الأزمة بين حركة "تحريك طالبان" (TTP) والحكومة الباكستانية، أصدرت الحركة بياناً يوم 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 2022 تعلن فيه إلغاء اتفاق وقف إطلاق النار مع الحكومة الباكستانية، الذي أعلن عنه يوم 2 حزيران (يونيو) 2022 ودعت مقاتليها إلى شن هجمات على امتداد أراضي البلاد.

القرار برَّرته الحركة، التي تأسست عام 2007 وتعرف أيضاً باسم طالبان باكستان، بإمعان الجيش الباكستاني والمخابرات الباكستانية في خرق الاتفاق وضرب عناصرها ومتابعتهم في إقليم خيبر بختونخوا ومناطق أخرى من البلاد.

غير أنّ قراءة الإعلان، وفق مصالح وممكنات الحركة واستطلاع تطورات المشهد السياسي الباكستاني في ضوء متغيرين اثنين: دعوة عمران خان إلى حل حكومة خيبر بختونخوا والبنجاب الشيء الذي قد يتسبب في أزمة دستورية في الإقليمين، وتعيين قائد جديد للجيش، الماسك الفعلي بملف الحركة، تتيح ترجيح سيناريو "الحفاظ على الوضع القائم" ومن ثم لا يستبعد عودة الجانبين إلى المحادثات.

ملابسات الاتفاق

تم إبرام الاتفاق، المعلن عنه يوم 2 حزيران (يونيو) 2022، بين الجانبين في خضم جملة أحداث تتمثل في:

1- عدم اعتراف الحكومة الباكستانية بتحريك طالبان وتصنيفها إرهابية، الأمر الذي حال دون إجراء محادثات مباشرة بين الجانبين ومن ثم تفويضها لمن ينوب عنها في المحادثات من الوجهاء والزعامات الدينية والقبلية.

رئيس وزراء باكستان السابق عمران خان

2- اتفاق وقف إطلاق النار الدائم كان تتويجاً للمحادثات بين الجانبين، بوساطة طالبان الأفغانية ، والذي تم التمهيد له باتفاق لوقف إطلاق النار في 1 أيار (مايو) لمدة 10 أيام فقط قبل تمديده لمرتين؛ الأولى في 10 أيار (مايو) لمدة خمسة أيام والثانية في 18 أيار (مايو) حتى 30 أيار (مايو).

3- بادرت الحكومة الباكستانية، خلال المحادثات، إلى إطلاق سراح 30 معتقلاً من سجناء الحركة، كعربون حسن نية من جهتها. في وقت نجحت فيه الحركة في إعادة بناء قوتها التنظيمية منذ 2020، واستفادتها من سيطرة شقيقتها الكبرى طالبان الأفغانية على كابل في 15 آب (أغسطس) 2021.

4- ظلت الهشاشة صفة ملازمة للاتفاق منذ توقيعه، حيث كان دائماً محلاً للخرق من كلا الجانبين وموضوعاً لتبادل الاتهامات بشأن خرقه؛ الأمر الذي كان ينذر بفشل المحادثات الجارية في تحقيق أهدافها بتحقيق سلام دائم.

سياق الإعلان عن إلغاء الاتفاق

جاء الإعلان عن إلغاء الاتفاق في سياق ظروف خاصة تمثلت في ما يلي:

1- وجود علاقات ملتبسة بين تحريك طالبان وحليفتها طالبان أفغانستان المتهمة من طرف الحكومة الباكستانية بإطلاق يد التنظيمات الإرهابية داخل حدودها. الأمر الذي يفسر تنامي العمليات الإرهابية ضد باكستان منذ سيطرة طالبان أفغانستان على كابل في 15 آب (أغسطس) 2021.

2- التحاق باكستان بالمجتمع الدولي في الضغط على طالبان أفغانستان، حيث تبنى محمد صادق، المبعوث الباكستاني الخاص إلى مؤتمر إقليمي بموسكو، موقفاً متشدداً وغير معتاد ضدها، منتقداً تعنتها بشأن تشكيل "حكومة شاملة" وموقفها من "حقوق المرأة وتعليم الفتيات".

عدم اعتراف الحكومة الباكستانية بتحريك طالبان وتصنيفها إرهابية، حال دون إجراء محادثات مباشرة بين الجانبين ومن ثم تفويضها لمن ينوب عنها في المحادثات من الوجهاء والزعامات الدينية والقبلية

3- دعوة عمران خان، يوم 26 تشرين الثاني (نوفمبر)؛ أي قبل يومين من الإعلان، في سياق احتجاجاته على طريقة تدبير الحكم في البلاد، إلى حل حكومتي خيبر بختونخوا والبنجاب، الأمر الذي قد يحدث أزمة دستورية في الإقليمين تستوجب تنظيم انتخابات جديدة.

4- تسلم الجنرال عاصم منير لمهامه كقائد جديد للجيش الباكستاني خلفاً للجنرال قمر جاويد باجوا، يوم 29 تشرين الثاني (نوفمبر)؛ أي قبل يوم واحد فقط من صدور الإعلان. حيث يعد التغيير على رأس قيادة الجيش حدثاً مهماً في بلد يلعب فيه الجيش دوراً حاسماً في رسم معالم السياسة الداخلية والخارجية للبلاد.

مأزق المحادثات

لم تثمر المحادثات بين الطرفين أي اختراق بإمكانه فتح الطريق أمام عقد سلام دائم، بالنظر إلى تباين مواقفهما بشأن القضايا الخلافية، والتي نستعرضها على النحو التالي:

مطالب تحريك باكستان

1- تحكيم الشريعة في المناطق القبلية الحدودية مع أفغانستان، حيث تسود عرقية البشتون، في أفق تحقيق انفصالها عن باكستان.

2- رفض السياج الحدودي الذي نصبه الجيش الباكستاني، عام 2017، على أساس خط دوران الذي خلفه الاستعمار الإنجليزي، لأنه يفصل بين أبناء البشتون.

 

قائد الجيش الباكستاني الجديد الجنرال عاصم منير

3- رفض قرار الحكومة، الذي استكملت إجراءاته في 31 أيار (مايو) 2018، بدمج المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية سابقاً مع إقليم خيبر بختونخوا والمطالبة باستعادة النظام الإداري السابق.

4- رفض وجود الجيش الباكستاني في المنطقة.

5- الإفراج عن جميع مقاتلي الحركة والالتزام بعدم متابعتهم قضائياً.

مطالب الحكومة الباكستانية

1- حل حركة طالبان باكستان ونزع سلاحها.

2- الاعتراف بالدستور الباكستاني واحترام بنوده بشأن مخرجات المحادثات.

3- قطع الحركة لعلاقاتها مع التنظيمات الإرهابية بما فيها تنظيم داعش.

السيناريوهات المحتملة

نفترض سيناريوهين اثنين لتطور الأحداث بعد إعلان إلغاء الاتفاق، انتهينا في الخلاصة إلى استبعاد السيناريو الأول "المعلن" وترجيح السيناريو الثاني "المضمر".

السيناريو الأول: التصعيد

سيناريو التصعيد هو السيناريو "المعلن" من إعلان إلغاء الهدنة وتعززه العوامل التالية:

1- استغلال الحركة لأزمات باكستان الاقتصادية التي تفاقمت من تراكم الديون وتراجع الصادرات وارتفاع الأسعار ثم التداعيات الكارثية للفيضانات. فضلاً عن استغلال أزماتها السياسية بالنظر إلى دعوة عمران خان، يوم 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2022، إلى حل حكومتي خيبر بختونخوا والبنجاب واستقالة نواب حزبه "إنصاف" من برلماني الإقليمين.

2- صدور الإعلان في مناخ اتسم بالتصعيد المتدرج في نبرة خطاب الحركة وارتفاع عملياتها والحرص على تبنيها بدل التزام الصمت بشأنها كما كان الأمر سابقاً، من ذلك اعتراف محمد خراساني المتحدث باسم الحركة بمسؤوليتها عن قتل ستة من ضباط الشرطة والاستلاء على أسلحتهم في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 2022 باستهداف دوريتهم في خيبر بختونخوا.

 

وقف إطلاق النار لم يكن قط محترماً، من جانب الحركة

3- المبادرة بتفعيل القرار فور إعلانه؛ حيث أعلن بعد ساعات قليلة من صدوره عن مقتل قائد كبير في الحركة وعشرة من مرافقيه خلال تبادل لإطلاق النار مع قوات الأمن في منطقة لاكي مروات بإقليم خيبر بختونخوا، ثم تبني الحركة للهجوم الانتحاري الذي استهدف حافلة كانت تقل رجال شرطة في كويتا عاصمة إقليم بلوشستان جنوبي البلاد، يوم 30 تشرين الثاني (نوفمبر) بعد يومين فقط من إلغاء الاتفاق، أدى حسب حصيلة أولية إلى 3 قتلى و23 جريحاً.

4- امتلاك الحركة لحاضنة اجتماعية في المناطق الحدودية وتوفرها على مخابئ ومواقع صالحة للتدريب وإطلاق الهجمات، فضلاً عن علاقاتها الممتدة، بشكل مباشر أو غير مباشرة، مع التنظيمات الجهادية والانفصالية الناشطة في المنطقة وبقية مناطق البلاد.

قد يُستبعَد سيناريو التصعيد ويُرجَّح سيناريو الاحتفاظ بالوضع القائم، وذلك لأن التصعيد لن يخدم "تحريك طالبان" وتترتب عنه مخاطر جدية على كامل المنطقة

5- استفادة الحركة من دعم محتمل لطالبان أفغانستان، الحريصة على الاحتفاظ بأوراق ضغط على باكستان من جهة والرافضة أيضاً للسياج الحدودي الذي أقامته باكستان على أساس خط دوراند، لأنه أدى إلى تقسيم القبائل البشتونية من جهة أخرى.

السيناريو الثاني: الاحتفاظ بالوضع القائم

سيناريو الاحتفاظ بالوضع القائم، هو السيناريو "المضمر"، والذي بحسبه فإنّ الإعلان عن إلغاء وقف إطلاق النار لن يغير شيئاً في الوضع الأمني، حيث يتوقع استمرار شد الحبل بين الجانبين مع القيام بعمليات مسلحة محدودة ليجبر كل طرف خصمه على الحوار وفق شروطه، لكن دون تجاوز السقف الذي كان قبل صدور البيان، بالنظر إلى ما يلي:

1- وقف إطلاق النار لم يكن قط محترماً، من جانب الحركة، والارتفاع الملحوظ في العمليات الإرهابية غير المعلنة ضد المصالح الباكستانية –أثناء سريان الاتفاق - كانت تحمل بصماتها.

2- ضعف القدرات العسكرية واللوجستية لتحريك طالبان في مواجهة باكستان عسكرياً ومخابراتياً، وعدم تأكدها من نيل الدعم الشعبي في المناطق القبلية يلزمها بعدم تجاوز المستوى المعهود من العنف للتحكم في مآله.

3- مخاوف من تمدد الصراع ليشمل طالبان الأفغانية، على خلفية علاقتها المشبوهة بتحريك طالبان، الأمر الذي يضر بمصالح الجانبين؛ فطالبان الأفغانية تحتاج إلى باكستان لمساعدتها على تحقيق الاعتراف الدولي وتكون بوابتها للعالم الخارجي، كما تحرص باكستان على الحفاظ على نوعية علاقاتها بأفغانستان حتى لا تميل لعدوها التاريخي الهند؛ وفي هذا الإطار تندرج زيارة وزيرة خارجيتها إلى كابل يوماً واحداً بعد الإعلان عن إلغاء الهدنة.

 

مخاوف من تمدد الصراع ليشمل طالبان الأفغانية

4- احتمال تقرُّب الحركة بشبكة حقاني، في طالبان الأفغانية، التي أشاد زعيمها وزير الداخلية سراج الدين حقاني بتضحياتها من أجلهم أثناء حربهم ضد أمريكا والناتو، وتعهد بعدم إجبارها على التفاوض مع الحكومة الباكستانية، لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بعلاقات متميزة مع المؤسسة العسكرية في باكستان؛ الأمر الذي يؤهله للقيام بدور الوسيط ولجم اندفاعات الحركة نحو مستويات غير مسبوقة من العنف.

خلاصة: استبعاد "التصعيد" وترجيح "الاحتفاظ بالوضع القائم"

نخلص من هذا العرض إلى استبعاد سيناريو التصعيد وترجيح سيناريو الاحتفاظ بالوضع القائم، وذلك لأن التصعيد لن يخدم الحركة وتترتب عنه مخاطر جدية على كامل المنطقة، إذ يمكنه الدفع نحو:

1- تحقيق تعاون بين تحريك طالبان والتنظيمات الانفصالية المتطرفة في بلوشستان والسند مع وجود تخوفات جدية بشأن تنسيق في العمليات بين الجانبين.

2- سعي تحريك طالبان نحو تقارب أكبر مع القاعدة، في ضوء التقارير التي تحدثت عن وجود اتصالات بينهما ومساعدة القاعدة لتحريك طالبان في استجماع قواها خلال المرحلة السابقة.

3- تسهيل طالبان باكستان لفرع داعش، المعروف بتنظيم "ولاية خراسان"، للقيام بعملياته داخل الأراضي الباكستانية، خاصة أنه ينشط في نفس مواقع نفوذ الحركة لإرهاق الأمن الباكستاني.

4- تعميق التسيب الأمني في أفغانستان، العاجزة أصلاً عن فرض منطق الدولة على التنظيمات الناشطة فوق أراضيها، وقد أعطى انفجار 30 تشرين الثاني (نوفمبر)، بالعاصمة كابل بعد يومين من إعلان إلغاء الاتفاق، مؤشراً واضحاً على ذلك.

فضلاً عن المخاطر المحتملة، فإنّ استبعاد سيناريو التصعيد وترجيح سيناريو الاحتفاظ بالوضع الأمني القائم يعززه العاملان التاليان:

1- حاجة القيادة الباكستانية إلى التهدئة في وقت تحتاج فيه البلاد إلى إيجاد مخارج لأزمتها الاقتصادية التي قد تتفاقم في حال استهداف الاستثمارات الأجنبية بالبلاد خاصة الصينية منها عبر ضرب "الممر الاقتصادي الصيني" الذي كان عرضة لضربات سابقة.

2- ليس من مصلحة طالبان أفغانستان دعم تحريك طالبان، المصنفة أمريكياً على قوائم الإرهاب، في تصعيدها خاصة في ظل ارتياب المجتمع الدولي من نواياها بعد تبين احتضانها لزعيم القاعدة، واشتداد حاجتها للمساعدات الدولية وتأكيدها على عدم السماح باستخدام أراضيها كمواقع خلفية لمهاجمة الدول المجاورة.

إنّ ترجيح سيناريو "الحفاظ على الوضع القائم" يتيح قراءة إعلان إلغاء الهدنة في ضوء سعي الحركة إلى جس نبض القائد الجديد للجيش الباكستاني الذي استلم مهامه يوم واحد بعد الإعلان عن إلغاء الهدنة والذي يعتبر الماسك الفعلي بملف الحركة ومن مصلحته تلميع صورته أمام الشعب والغرب، ثم استغلال تصريحات عمران خان بشأن حل حكومة خيبر بختونخوا، التي تطالب الحركة بفصل المنطقة القبلية عنها، لإضعاف الموقف السياسي لباكستان ولفت الأنظار لقضيتها.

وفي هذه الظروف لا يستبعد عودة الجانبين إلى المحادثات ولو بشكل سري، تحت رعاية طالبان أفغانستان، لتجنب الضغط الإعلامي وتأمين فرص أكثر لتحقيق اختراق توافقي قد يشمل قبول الحركة بتغيير اسمها بدل حل نفسها وقبول الحكومة بالإفراج عن سجناء الحركة وتطبيق جزئي للشريعة في المناطق القبلية.